اعلم أن في قوله: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} [الكهف: 66] إلى أن قال: {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 78] إشارة إلى أهل الصحبة من المريدين المسترشدين والمشايخ السالكين الهادين ومن شرائطهم في الاقتداء والاستهداء والتربية والهداية، فمن آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه أن يستجيز منه في اتباعه وملازمة صحبته تواضعاً لنفسه وتعظيماً لشيخه، بعد مفارقة أهاليه وأوطانه وترك مناصبه وأتباعه وإخوانه وأصدقائه كما كان حال موسى عليه السلام إذ قال للخضر: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66] بإرشاد الله لك أي: تعلمني طريق الاسترشاد من الله تعالى بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى، فإن جميع ذلك كان حاصلاً له، فإن قيل: فهل مرتبة فوق هذه المراتب الثلاثة؟
قلنا: إن هذه المراتب وإن كانت جليلة، ولكن مجيء جبريل يقتضي الواسطة، وإنزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقي من الله للعبد هو أن يجعله قابضاً لفيض نور الله بلا واسطة وذلك بتجلي صفات جماله وجلاله الذي كان مطلوب موسى بقوله: {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] فإن فيه رفع الاثنينية، وإثبات الوجود الذي لا يسع العبد فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ومنها: أن المريد إذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغي أن يخرج عما معه من الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه أعجمي لا يعرف البحر من البر وينقاد لأوامره ونواهيه كما كان حال كليم الله لم تمنعه النبوة والرسالة ومجيء جبريل وإنزال التوراة، ومكالمة الله واقتداء بني إسرائيل به أن يتبع الخضر ويتواضع معه ويترك أهاليه وأتباعه وأشياعه وكل ما كان له من المناصب والمناقب، وتمسك بذيل إرادته منقاداً لأوامره ونواهيه.