إن الإنسان ليصيبه الذهول .. ويرتعش من أعماقه .. وهو يتملى هذا المشهد العظيم .. ويتصور هذا الذر السابح .. وفي كل خلية حياة .. وفي كل خلية استعداد كامن للاستماع والفهم والإجابة .. وفي كل خلية إنسان كامل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور .. ويقطع على نفسه العهد والميثاق بالتوحيد قبل أن يبرز إلى حيز الوجود.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» . ثُمَّ
يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} الآيَة. [الروم: 30] . متفق عليه.
وقد أنشأ الله البشر مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده، أودع هذا في فطرة كل حي فهو ينشأ عليه، حتى ينحرف عنه بفعل فاعل يفسد إيمانه، ويميل به عن فطرته كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» . أخرجه مسلم.
فالتوحيد ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها، مودع في كل خلية منذ نشأتها، وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات، وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله سبحانه.
فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها، ولا سبيل إلى أن يقول أحد إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد، وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد.