فالاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري، فطرة أودعها الخالق فيه، وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته كما قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) } [الأعراف: 172 - 174] .
فالله عزَّ وجلَّ قد فطر البشرية كلها على التوحيد، أما الرسالات فتذكير وتحذير
لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى، فيحتاجون إلى التذكير والتحذير فالتوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ بداية خلقهم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } [الروم: 30] .
فلا حجة لهم في نقض الميثاق، حتى لو لم يبعث الله إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم، ولكن رحمة الله وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف، وألا يكلهم إلى عقولهم فقد تضل، فبعث إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ومذكرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ألا ما أعظم قدرة الخلاق العليم، إنه مشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته، وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى وهي تجمع وتستشهد وتخاطب خطاب العقلاء، وتستجيب استجابة العقلاء، فتعترف وتقر وتشهد، ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب.
إنه مشهد عظيم، مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود، تقف أمام الذي خلقها وفطرها، فيسألها ألست بربكم؟
فتعترف كلها لله بالربوبية .. وتقر له سبحانه بالعبودية .. وتشهد له سبحانه بالوحدانية .. وهي منثورة كالذر في الكثرة والحجم.