فالمؤمن حقاً هو الذي يعلم ويتيقن أن الملك والتصريف والتدبير بيد الله تعالى لا بيد غيره.
فلا يرى نفعاً ولا ضراً .. ولا حركة ولا سكوناً .. ولا ظلمة ولا نوراً .. ولا خفضاً ولا رفعاً .. ولا قبضاً ولا بسطاً .. ولا حياة ولا موتاً ... إلا والله عزَّ وجلَّ خالقه وفاعله ومدبره، فلا يحصل في ملكه سبحانه حركة ولا سكون، ولا حياة ولا موت، ولا نفع ولا ضر إلا بإذنه وأمره وإرادته سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) } [الملك: 1] .
وأهل التوحيد متفاوتون في توحيدهم علماً ومعرفة وحالاً تفاوتاً لا يحصيه إلا الله الذي خلقهم ويعلم سرهم ونجواهم.
فأكمل الناس توحيداً الأنبياء والرسل، والمرسلون منهم أكمل في ذلك.
وأولو العزم من الرسل أكمل توحيداً وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأكمل أولي العزم توحيداً الخليلان محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فقد قاما بالتوحيد بما لم يقم به غيرهما، علماً ومعرفة، وحالاً وجهاداً، ودعوة للخلق إلى ربهم.
فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم من أجله، وصبروا على إبلاغه.
ولهذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] .
ولما قاموا بحقيقة التوحيد جعلهم الله أئمة الخلائق، يهدون بأمره، ويدعون إليه، وجعل الخلائق تبعاً لهم كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) } [السجدة: 24] .
إن التوحيد هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأخذ بها الميثاق عليهم في ذات أنفسهم، وهم بعد في عالم الذر.