هذا على مستوى الإعجاز اللغوي، أما على مستوى الإعجاز الفني، فإن الصورة القرآنية صورة تمثيلية معجزة في ترسيمها المشهد أو الحدث، أو الموقف، بصرياً وفضاء متخيلاً، بمعنى أنه في الصورة القرآنية يتداخل فيها البصري بالمجرد، والحسي بالمعنوي، والرؤية البصرية بالرؤيا المتخيلة؛ والموسيقا الصوتية بالموسيقا التصويرية، والمشهد اليومي بالمشهد السرمدي، والبلاغة بالإطناب، والإيجاز بالتفصيل؛ والفصل بالوصل، إنه كينونة من الحراك الدائب في الدلالات والمعاني والمكتشفات المستمرة اللامتناهية، وهذا ما يجعل لغة هذا الخطاب خالدة باقية فوق سجل الوجود؛ وفوق مدار الزمن المتقادم المتناهي؛ ولا نبالغ في قولنا كل جماليات المتعة، والفن، والأنس، والسكينة، والإدهاش مجسدة في هذا الخطاب، ولهذا؛ له طلاوة وحلاوة تسكر النفوس وتأنس إليه؛ وهذا ما يمنحها خصوصيتها الإعجازية؛ وإن المطلع على الإعجاز التصويري في الكثير من الدراسات القرآنية التي تناولت هذا الجانب تحديداً يدرك ذلك، وهذا ما أقدم عليه الباحث القدير أحمد زكريا ياسوف في كتابه (جمالية الكلمة القرآنية) وخلص بنتائج قيمة، يمكن الرجوع إليها للإفادة والاضطلاع، وبراعة الاكتشاف.
وصفوة القول:
إن جمال الله وقدسيته معكوس في خطابه القرآني، وهذا يعني أن الخطاب القرآني معجز في اللغة؛ والإيقاع، والصوت، والنغم، والدلالة، والصورة والمشهد، والموقف، والقصص، والسرد، والحوار ... إلخ. وهذا ما يكسبه إعجازه وفوقيته، وروحانيته التي تبقى فوق القدرات البشرية، ومستوى وعيهم وإدراكهم، ويبقى هذا الخطاب مماحكاً بجماليته وفوقيته فوق قدرات الخلق والامحاء، والتقادم الزمني. ورحم الله من أدرك هذه الحقيقة ووعاها منذ قراءته الأولى لهذا الخطاب المتعالي في بنيته اللغوية، والفنية، والجمالية. انتهى انتهى {الخطاب القرآني إعجاز جمالي فني، للأستاذ/ عصام شرتح} ...