ونقول: إن العلماء في التوفيق بين هذه الآيات قالوا: المراد بقوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً} [الكهف: 105] جاءتْ على سبيل الاحتقار وعدم الاعتبار ، فالمراد لا وزنَ لهم عندنا أي: لا اعتبارَ لهم ، وهذه نستعملها الآن في نفس هذا المعنى نقول: فلان لا وزنَ له عندي . أي: لا قيمة له .
وبالبحث في هذه الآية وتدبرها تجد أن القرآن الكريم يقول: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ} [الكهف: 105] ولم يَقُل: عليهم ، إذن: الميزان موجود ، ولكنه ليس في صالحهم ، فالمعنى: لا نقيم لهم ميزاناً لهم ، بل نقيم لهم ميزاناً عليهم .
ثم يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ}
(ذلك) أي: ما كان من إحباط أعمالهم ، وعدم إقامتنا لهم وزناً ليس تجنِّياً مِنَّا عليهم أو ظلماً لهم ، بل جزاءً لهم على كفرهم فقوله {بِمَا كَفَرُواْ} [الكهف: 106] أي: بسبب كفرهم .
{واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً} [الكهف: 106] فقد استهزأوا بآيات الله ، وكلما سمعوا آية قالوا: أساطيرُ الأولين: {إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين} [القلم: 15] .
وكذلك لم يَسْلَم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سخريتهم واستهزائهم ، والقرآن يحكي عنهم قولهم لرسول الله: {يا أَيُّهَا الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] فقولهم {نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر} [الحجر: 6] أي: القرآن وهم لا يؤمنون به سُخرية واستهزاءً .