البرُّ والرَّحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصدٍ في نيَّته لهم في تفاضُل منازلهم، وليُعط كلاًّ بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتّى لا يغشى الباب أحدٌ وهو يخاف أن يقصَّر به عن مرتبته، ولا أن يُمنع في مدخل أو مجلسٍ أو موضع إذنٍ شيئاً يستحقُّه، ولا أن يمْنع أحداً مرتبته. وليضع كلاًّ عندك على منزلته. وتعهَّدْه فإن قصَّر مقصِّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره.
وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى"شاهيني": ينبغي أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلاً شريف البيت، بعيد الهمّة، بارع الكرم، متواضعاً طلقاً، معتدل الجسم بهيَّ المنظر، ليِّن الجانب، ليس ببذخ ولا بطرٍ ولا مرح، ليِّن الكلام، طالباً للذِّكر الحسن، مشتاقاً إلى محادثة العلماء ومجالسة الصُّلحاء، محبّاً لكلِّ مازيَّن عمله، معانداً للسُّعاة، مجانباً للكذَّابين، صدوقاً إذا حدَّث، وفيَّاً إذا وعد، متفهماً إذا خوطب، مجيباً بالصواب إذا روجع، منصفاً إذا عامل، آنساً وؤنساً، محبَّاً للأخيار، شديد الحنوّ على المملكة، أديباً له لطافةٌ في الخدمة، وذكاءٌ في الفهم، وبسطةٌ في المنطق، ورفقٌ في المحاورة، وعلمٌ بأقدار الرجال وأخطارها.
وقال في حاجب العامة: ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلاً عبد الطاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروّعا، غير باطشٍ إلا بالحقّ، لا أنيساً ولا مأنوساً، دائم العبوس، شديداً على المريب، غير مستخفٍّ بخاصّة الملك ومن يهوى ويقرِّب، من بطانته.
محلُّ الحاجب وموضعه ممن يحجبه
قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز حين وجَّهه إلى مصر: اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإنَّ الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسِّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.
وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استظرف كاتبك، واستعقل حاجبك.
وقال الحجّاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كلُّه.
وقال ابن أبي زرعة: قال رجلٌ من أهل الشام، لأبي الخطاب الحسن بن محمد الطائي يعاتبه في حجابه:
هذا أبو الخطاب بدرٌ طالعٌ ... من دون مطلعه حجابٌ مظلم
ويقال وجه المرء حاجبه كما ... بلسان كاتبه الفتى يتكلم