إن المحجوب وإنْ كان عدْلُنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، يتداخله انكسارٌ إذا حُجب ورأى غيره قد أُذن له. فاختصَّه لذلك من بشاشتك به، وطلاقتك له، بما يتحلَّل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أنّ صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له.
إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحدٍ منهم دون من يعلوه في القدر، لأمرٍ لابد من الدعاء به له، فأظهر العُذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه؛ فإنّ الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظُّنون. والواجب على من ساسهم التوقِّي على نفسه من سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذْ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس.
المدائني قال: قال زياد بن أبيه لحاجبه:
يا عجلان: قد ولّيتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليلٍ؛ فشرٌّ ما جاء به أو خيْر. ورسول صاحب الثَّغر؛ فإنّه إن تأخّر ساعةً بطل به عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطَّعام؛ فإنّ الطعام إذا تُرك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد.
الهيثم بن عديٍّ قال: قال خالد بن عبد الله القسريّ لحاجبه: لا تحجبنَّ عنّي أحداً إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إمّا رجلٌ عييٌّ يكره أن يُطَّلع على عيّه، وإمّا رجلٌ مشتمل على سوءة، أو رجلٌ بخيل يكره أن يدخل عليه إنسانٌ يسأله شيئاً.
أنشدني محمودٌ الورّاق لنفسه في هذا المعنى:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردَّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاثٍ، وربّما ... نزعت بظنٍّ واقع بصوابه
فقلت: به مسٌّ من العيّ ظاهر ... ففي إذْنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عيّ اللسان فغالبٌ ... من البُخل يحمي ماله عن طلابه
فإن لم يكن هذا ولاذا فريبةٌ ... يصرّ عليها عند إغلاق بابه
وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبِّر:
لولا مقارفة الرِّيبْ ... ما كنت ممّن يحتجبْ
أوْلا فعيٌّ منك أو ... بخلٌ على أهل الطَّلَبْ
فاكشف لنا وجه الحجا ... ب ولا تُبالي من عتبْ
من ينبغي أن يُتّخذ للحجابة