هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة. {إنهم فتية آمنوا بربهم} .. {وزدناهم هدى} بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم. {وربطنا على قلوبهم} فإذا هي ثابتة راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت. معتزة بالإيمان الذي اختارت {إذ قاموا} .. والقيام حركة تدل على العزم والثبات. {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} .. فهو رب هذا الكون كله {لن ندعو من دونه إلهاً} .. فهو واحد بلا شريك. {لقد قلنا إذن شططاً} .. وتجاوزنا الحق وحدنا عن الصواب.
ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه ، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه في تكوين العقيدة:
{هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين؟} ..
فهذا هو طريق الاعتقاد: أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه ، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول. وإلا فهو الكذب الشنيع ، لأنه الكذب على الله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟} .
وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحاً صريحاً حاسماً ، لا تردد فيه ولا تلعثم.. إنهم فتية ، أشداء في أجسامهم ، أشداء في إيمانهم. أشداء في استنكار ما عليه قومهم..
ولقد تبين الطريقان ، واختلف المنهجان ، فلا سبيل إلى الالتقاء ، ولا للمشاركة في الحياة.
ولا بد من الفرار بالعقيدة. إنهم ليسوا رسلاً إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها ، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر ، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها ، وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداوروهم ، ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله. والأرجح أن أمرهم قد كشف. فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى الله ، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة. وقد أجمعوا أمرهم فهم يتناجون بينهم:
{وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً} ..