وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهِ: (بِالْغَدْوَةِ وَالْعَشِيِّ) وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَكْرُوهَةٌ، لِأَنَّ غَدْوَةً مَعْرِفَةٌ وَلَا أَلِفَ وَلَا لَامَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُعَرَّفُ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرِفَةً، فَأَمَّا الْمَعَارِفُ فَلَا تُعَرَّفُ بِهِمَا. وَبَعْدُ فَإِنَّ غَدْوَةً لَا تُضَافُ إِلَى شَيْءٍ، وَامْتِنَاعُهَا مِنَ الْإِضَافَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى امْتِنَاعِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ مَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنَ الْأَسْمَاءِ صَلَحَتْ فِيهِ الْإِضَافَةُ، وَإِنَّمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: أَتَيْتُكَ غَدَاةَ الْجُمُعَةِ، وَلَا تَقُولُ: أَتَيْتُكَ غَدْوَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ فِي الْأَمْصَارِ لَا نَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا لِإِجْمَاعِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَلِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنَّا مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَصْرِفْ عَيْنَاكَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَصْبِرَ نَفْسِكَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا تُجَاوِزُهُمْ إِلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَدَوْتُ ذَلِكَ، فَأَنَا أَعْدُوهُ: إِذَا جَاوَزْتُهُ.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَبْيَاتِهِ {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ، فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، مِنْهُمْ ثَائِرُ الرَّأْسِ، وَجَافِ الْجِلْدِ، وَذُو الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، فَلَمَّا رَآهُمْ جَلَسَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ» وَرُفِعَتِ الْعَيْنَانِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ لَا تَعْدُ.
وَقَوْلُهُ: {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}