قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) } الكهف: 29 المناسبة
بعد هذه الآيات البينات والحجج الباهرات لم يبق للكفار عذرٌ في البقاء على ما هم عليه من صدودٍ وإعراضٍ، وجحودٍ وعنادٍ، فأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يردِّدَ كلمة الحق على مسامعهم، أما ثمرةُ الدعوةِ ونتاجُها فأمرُ ذلك مفوَّضٌ لله تعالى، الذي يحاسبُ عبادَه فيثيبُ من سلك طريق الإيمان، ويعاقب من آثر الكفر والعصيان.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) } فهم في سجنٍ مطبقٍ، لا مناص ولا خلاص من أسرِه وقبضته؛ ولا أمل في النجاة منه، بل لا مطمع في منفذ تهب منه نسمة، أو يكون فيه استرواح!
وذلك بكفرهم بالبينات، وصدهم عن سواء الصراطِ، وظلمهم لأنفسهم حين أوردوها موارد الهلاك، وظلمهم للآخرين، فاستحقوا هذا العذاب المهين والمصير الأليم الذي لا مفرَّ منه ولا خلاص.
{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} من حرِّه، وقال تعالى في موضعٍ آخر { ... يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) } الحج: 19 - 20.
{بِئْسَ الشَّرَابُ} أي ذلك الذي يغاثون به فَيُرَاقُ عليهم {وَسَاءَتْ} أي النار {مُرْتَفَقًا} : منزلاً، مجتمعاً، وأصل المرتفق المتكأ، وإنما جاء كذلك تهكُّما بهم ومشاكلة لقوله {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) } وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا متكأ.