واحتج محمد على جواز قسمة الماء بطريق المهايأة بقوله تعالى: {لَّهَا شِرْبٌ} [الشعراء: 155] الآية {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} [القمر: 28] وأبو يوسف على جرى القود بين الذكر والأنثى بآية {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 45] والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك لأنا نقول: مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان إنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقاً بل إن قصه الله تعالى علينا بلا إنكار وإنكار رسوله صلى الله عليه وسلم كإنكاره عز وجل ، وقد سمعت أنه عليه الصلاة والسلام لعن الذين يتخذون المساجد على القبور ، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع ، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفاً احتجاج الأئمة بها وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسس بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً لا يدل فعلهم فضلاً عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده ، ومما يقوى قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة ؛
وعلى هذا لقائل أن يقول: إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف كف التعرض عن أصحابه فلم يقبل الأمراء منهم وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد ، وكان الأولين إنما لم يشريوا بالدفن مع أن الظاهر أنه هو المشروع إذ ذاك في الموتى كما أنه هو المشروع عندنا فيهم لعدم تحققهم موتهم ، ومنعهم من تحقيقه انهم لم يقدروا كما أخرج عبد الرزاق.