وخُصَّ ما كان دلالةً بَهَدَيْتُ وما كان إِعطاءً بأَهْدَيْتُ ، نحو أَهْدَيْتُ الهديَّةَ ، وهَدَيْتُ إِلى البَيْت.
إِن قيل كيف جعلت الهداية دَلالةً بلُطْفِ والله تعالَى يقول: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} ؟ قيل: ذلك على سبيل التَهَكُّم مبالغةً فِي المَعْنَى نحو قوله: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ومنه قوله:
*تَحيّةُ بَيْنِهم ضَرْبٌ وَجيعُ*
وهِدايةُ الله تعالى للإِنسان على أَربعةِ أَضرب:
الأَوّل: الهِداية التي عَمَّ بها كُلَّ مكلَّفٍ من العَقْل والفِطْنَة والمَعارف الضروريّة ، بل عمّ بها كلَّ شىءٍ حَسَبَ احتمالِه ، كما قال تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
الثاني: الهِداية التي جُعلت للنَّاسِ بدُعائه إِيّاهم على أَلْسِنَةِ الأَنبياءِ وإِنْزالِ القرآن ونحوِ ذلك ، وهو المقصودُ بقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} .
الثالث: التَّوفيقُ الذي يختصّبه من اهْتَدى ، وهو المعنِيُّ بقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} ، وقوله: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} .
الرّابع: الهدايَةُ فِي الآخرة إِلى الجنَّة ، وهو المعنيُّ بقوله: {الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهذا} .
وهذه الهداياتُ الأَربعُ مُتَرتِّبة فإِنَّ من لم تَحْصُلْ له الأُولَى لا تَحْصُلُ له الثانية ، بل لا يَصِحُّ تكليفُه.
ومن لم تَحْصُلْ له الثانيةُ لا تحصل له الثالثة والرابعةُ.
والإِنسان لا يَقْدِرُ أَن يَهْدِىَ أَحداً إِلا بالدُّعاءِ وتعريف الطُّرُق دون سائِر الهِدايات ، وإِلى الأَوَّل أَشار بقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وبقوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أَى داع ، وإِلى سائر الهِدايات أَشار بقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} .
وكُلّ هدايةٍ ذَكَرَ الله تعالى أَنَّه منَع الكافِرين