وفى ثنايا السورةِ يذكر ربُّنا أن موسى - عليه السلام - أُرسِل بمثلِ ما أُرسِل به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وبنفسِ المضمونِ، حتى في ألفاظ التعبير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 5] .
نعم ما أُرسِل رسولٌ ولا نبِيٌّ إلا ليخرجَ الناسَ من الظلماتِ - التي هي أنواعٌ كثيرةٌ من الضلالاتِ التي أدَّت إليها الجهالاتُ - إلى النورِ الذي هو واحدٌ، وهو سبيلُ اللهِ المدعوُّ بالهدايةِ إليه في الفاتحةِ؛ أي: لتبيِّن للعربِ قومِك - لأنه بلسانِهم - بيانًا شافيًا، فتجعلهم بما تقيمُ عليهم
من الحججِ الساطعة، وتوضِّح لهم من البراهين القاطعة، وتنصبُ لهم من الأعلامِ الظاهرةِ، وتحكمُ لهم من الأدلةِ الباهرة - مثل ضوءِ النهارِ، بما فتح من مُقفلِ أبصارِهم، وكشف عن أغطيةِ قلوبِهم، فيكونوا متمكِّنين من أن يَخرُجوا من ظلماتِ الكفرِ - التي هي طُرق الشيطان - إلى نورِ الإيمانِ الذي هو سبيله: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، وشبَّه الإيمانَ وما أرشد إليه بالنورِ؛ لأنه عصمةُ العقلِ من الخطأ في الطريقِ إلى الله، كما أن النورَ عصمةُ البصرِ من الضلالِ عن الطريق الحسي، وإذا خرجوا إلى النورِ كانوا جديرينَ بأن يُخرِجوا جميعَ الناس بإذْنِ ربِّهم إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ.
وتدورُ السورةُ وأحداثُها الرئيسيةٌ حول:
1 -بيان حقيقةِ وحدةِ الرسالةِ والرسلِ، ووحدةِ دعوتِهم ورسالتهم؛ فلذلك نجدهم جميعًا يقفونَ موقفًا واحدًا في مواجهةِ الباطلِ والشركِ والكفرِ على اختلافِ الأزمنةِ والأمكنةِ.
2 -بيان أن نعمَ اللهِ على البشريةِ لا حصرَ لها: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34] .
3 -التنبيه إلى إعجازِ القرآنِ، والتَّنويه بشأنه، وأنه أُنزلَ لإخراجِ الناسِ من الضلالة، والامتنانِ بأن جعلَه بلسانِ العربِ، وتمجيد الله - تعالى - الذي أنزله، ووعيد الذين كفروا به بمن أُنزِل عليه.