وقوله تعالى: {وَيُثْبِتُ} قال النحويون أراد ويثبته. واستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني، والعرب تفعل ذلك كثيراً، كقوله تعالى {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:35] وقول الشاعر:
بأيّ كِتَابٍ أم بأيَّةِ سنةٍ ... ترى حُبَّهُم عارًا عليَّ وتَحسِبُ
فلم يعمل الثاني.
وقوله تعالى: {وَيُثْبِتُ} قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن خفف ذهب إلى أن الإثبات ضد المحو، لا التثبيت، فلما كان في مقابلة المحو كان التخفيف أولى من التشديد، ولأن التشديد للتكثير، وليس القصد بالمحو التكثير، وكذلك ما يكون في مقابلته، ومن يشدد احتج بقوله {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 36] . وقوله تعالى: {فَثَبِّتُوا} [الأنفال: 12] لأن يثبت مطاوع ثبت، واختلفوا في تفسير هذه الآية، فذهب قوم إلى أنها عامة في كل شيء ، كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله تعالى يمحو من الرزق ويزيد فيه ومن الأجل، ويمحو السعادة والشقاوة، وهو مذهب عمر وابن مسعود وابن وائل، وهؤلاء كانوا يدعون الله أن يثبتهم سعداء، ويمحو شقاوتهم من الكتاب إن أثبت فيه، ويروى هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رواه أبو صالح عن عبد الله بن رئاب عن جابر مثل ما ذكرنا من المعنى.
وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، قال: أم الكتاب عند الله من الشقاوة والسعادة ويمحو الله ما يشاء من ذلك ويثبت، وذهب قوم إلى أن هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، فروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:" {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} إلا الشقاوة والسعادة، والموت"ونحو هذا روي عن ابن عباس وزاد في المستثنى ثلاثة أخرى: الخَلْق والخُلُق والرزق، وقال مجاهد فيما روي عنه منصور: الشقاء والسعادة لا يغيران.