وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَرَوْا) .
قد ذكرنا في ما تقدم أنه إنما هو حرف تعجب وتنبيه؛ فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: على الخبر؛ أي: قد رأوا أنا فعلنا ما ذكر.
والثاني: على الأمر؛ أي: أرَوْا أنَا، فعلنا ما ذكر؛ وهو ما ذكر من قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي: قد ساروا في الأرض؛ أو سيروا.
(أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما جعل من أرض الكفرة للمسلمين؛ بالفتح لهم؛ والنصر على أُولَئِكَ؛ والإخراج من سلطان أُولَئِكَ الكفرة وأيديهم، وإدخالها في أيدي المسلمين؛ فذلك النقصان. وهو، واللَّه أعلم لما وعد لرسوله أن يريه يعض ما وعد لهم؛ فقال الكفرة عند ذلك: أين ما وعد أن يريك؟ فقال عند ذلك: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا) أي: ألم يروا أنه جعل بعض ما كان لهم من الأرضين للمسلمين؛ فإذا قدر على جعل البعض - الذي كان لهم لهَؤُلَاءِ؛ لقادر أن يجعل الكل لهم؛ فهلا يعتبرون.
هذا واللَّه أعلم ما أراد بما ذكر من النقصان.
وقال قائلون: نقصان الأرض: موت فقهائها وعلمائها وفنائها.
ووجه هذا: وهو أن الفقهاء والعلماء - هم عمَّار الأرض وأهلها؛ وبهم صلاح الأرض؛ فوصف الأرض بالنقصان بذهاب أهلها، وهو كما وصف الأرض بالفساد؛ وهو قوله: (لَفَسَدَتِ الأَرْضُ) ، وقوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) فالأرض لا تفسد بنفسها؛ ولكن وصفت بالفساد؛ لفساد أهلها، فعلى ذلك لا تنقص هي بنفسها؛ ولكن وصفت بالنقصان؛ لذهاب أهلها، وعمارها وفقهائها وعلمائها.