خَاتِمَةٌ: اعْلَمْ يَا أَخِي - وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ القَدَرَ عِبَارَةٌ عَنْ سَبْقِ عِلْمِ اللهِ - تَعَالَى - بِالمَقْدُورِ، وَمَا عَلِمَهُ اللهُ فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَخَلُّفِهِ قَطْعًا - كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَتَقْرِيرُهُ -، وَالقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ اللهِ - تَعَالَى - لِذَلِكَ المَقْدُورِ، وَقَدْ أُمِرْتَ أَنْ تُدَافِعَ القَدَرَ بِالقَدَرِ، وَتَفِرَّ مِنَ القَدَرِ إِلَى القَدَرِ، فَإِذَا وَقَعَ فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ حُرٍّ التَّسْلِيمُ وَالصَّبْرُ وَإِلَّا أَثِمَ وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا يُرِيدُ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ وَهُوَ بِالحَالِ أَعْلَمُ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَوَّلُ شَيْءٍ كَتَبَهُ اللهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: إِنِّي أَنَا اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مُحَمَّدٌ رَسُولِي، مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِي وَشَكَرَ نَعْمَائِي؛ كَتَبْتُهُ صِدِّيقًا وَبَعَثْتُهُ مَعَ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِقَضَائِي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي؛ فَلْيَتَّخِذْ إِلَهًا سِوَايَ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ: «اتَّفَقَ العُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْشِ مَعَ القَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ» .
وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا قُضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ قَلَّ حُزْنُهُ.
عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ؟!.
وَقَالَ - أَيْضًا: مَنْ تَأَمَّلْ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ رَأَى الابْتِلَاءَ عَامًّا وَالأَغرَاضَ مُنْعَكِسَةً، وَعَلَى هَذَا وَضْعُ هَذِهِ الدَّارِ.
فَالعَجَبُ مِمَّنْ يَدُهُ فِي سَلَّةِ الأَفَاعِي كَيْفَ يُنْكِرُ اللَّسْعَ؟! وَأَعْجَبَ مِنْهُ مَنْ يَطْلُبُ مِنَ المَطْبُوعِ عَلَى الضُّرِّ النَّفْعَ؟!
وَقَدْ قِيلَ:
وَمَا اسْتَغْرَبَتْ عَيْنِي فِرَاقًا رَأَيْتُهُ ... وَلَا عَلَّمَتْنِي غَيْرَ مَا أَنَا عَالِمُهُ
وَفِي هَذَا القَدَرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ تَدَبَرَهُ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ - وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ -. انتهى انتهى {إتحاف ذوي الألباب، لـ مرعي الكرمي. ص: 17 - 106} ...