وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا المَذْهَبِ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الدُّنْيَوِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَ وُجُودَ السَّبَبِ كَعَدَمِهِ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ؛ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الأُخْرَوِيَّةَ، فَيَقُولُونَ: إِنْ سَبَقَ العِلْمُ وَالحُكْمُ أَنَّا سُعَدَاءُ فَنَحْنُ سُعَدَاءُ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّا أَشْقِيَاءُ فَنَحْنُ أَشْقِيَاءُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي العَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ العَمَلَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَصْلِ الفَاسِدِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الأَصْلَ الفَاسِدَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، وَمُخَالِفٌ لِصَرِيحِ المَعْقُولِ، وَمُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ، وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ إِسْقَاطِ الأَسْبَابِ نَظَرًا إِلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ، فَرَدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ؛ كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الكِتَابِ؟! فَقَالَ: «لَا؛ اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآيَاتِ.
وَفِي «السُّنَنِ» أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ - تَعَالَى - » .