وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «اللَّوْحُ: مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، أَعْلَاهُ مَعْقُودٌ بِالعَرْشِ، وَأَسْفَلَهُ فِي حَجْرِ مَلَكٍ يُقَالُ لَهُ: (مَاطِرْيُونَ) ، كِتَابُهُ نُورٌ، وَقَلَمُهُ نُورٌ، وَيَنْظُرُ اللهُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ مِنْهَا نَظْرَةٌ إِلَّا وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ؛ يَرْفَعُ وَضِيعًا وَيَضَعُ رَفِيعًا، وَيُغْنِي فَقِيرًا وَيُفْقِرُ غَنِيًّا، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» ، حَكَاهُ القُرْطُبِيُّ - وَغَيْرُهُ - .
وَقَدْ مَرَّ أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَنَقَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَعَرْضُهُ: مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ.
وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَانَ اللهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، وَأَثْبَتَ فِيهِ جَمِيعَ أَحْوَالِ الخَلْقِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» .
وَمَرَّ - قَرِيبًا - أَنَّ فِيهِ جَمِيعَ حَوَادِثِ العَالَمِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ.
قُلْتُ: وَهُنَا إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا مِقْدَارُهُ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ كَيْفَ يَسَعُ كِتَابَةَ جَمِيعِ حَوَادِثِ العَالَمِ، مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ أَحْرُفَ القُرْآنِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا كَجَبَلِ ق، تَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ المَعَانِي مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
فَعَلَى هَذَا: حُرُوفُ القُرْآنِ - وَحْدَهُ - تَمْلَأُ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ - أَوْ تَكَادُ تَمْلَؤُهُ - ، فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ حَوَادِثَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا المِقْدَارَ إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سَعَتِهِ وَعِظَمِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ، مَعَ أَنَّهَا قُدِّرَتْ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.