وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «يُكْتَبُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ: إِنْ حَجَّ فُلَانٌ وَلَمْ يَغْزُ فَعُمُرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَإِنْ حَجَّ وَغَزَا فَعُمُرُهُ سِتُّونَ سَنَةً، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ بَلَغَ السِّتِّينَ وَقَدْ عُمِّرَ، وَإِذَا أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا عَنِ الآخَرِ فَلَا يُجَاوِزُ الأَرْبَعِينَ؛ فَقَدْ نُقِصَ مِنْ عُمُرِهِ الَّذِي هُوَ الغَايَةُ - وَهُوَ السِّتُّونَ - » .
قَالَ: «وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ وَالصِّلَةَ يَعْمُرانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ» ».
وَقَالَ الحَافِظُ الجَلَالُ السُّيُوطِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: «قَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ عِنْدِي عَلَى زِيَادَةِ العُمْرِ وَنَقْصِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَوْ بُرِّزَ إِلَى المَلَائِكَةِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَلِمَ اللهُ - تَعَالَى - ؛
فَإِنَّ عِلْمَهُ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالأَشْيَاءُ كُلُّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ فِي الأَزَلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ».
قُلْتُ: هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَمَا قَالُوهُ مِنْ دَلِيلٍ وَتَعْلِيلٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كُلُّهَا - عِنْدِي - لَا تَشْفِي العَلِيلَ وَلَا تُرْوِي الغَلِيلَ.
وَكَلَامُ الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ مُسَلَّمٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّ عِلْمَ اللهِ أَزَلِيٌّ لَا يَتَغَيَّرُ ... » - إِلخ - ، بَلْ لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ، وَإِلَّا انْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ سَيَكُونُ» .
وَقَوْلُ السُّيُوطِيِّ أَنَّ (زِيَادَةَ العُمْرِ وَنَقْصَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أَوْ بُرِّزَ إِلَى المَلَائِكَةِ) ؛ فَأَنَا أُسَلِّمُهُ - أَيْضًا - عَلَى مَا فِيهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالجَوَابِ الدَّافِعِ لِلإِشْكَالِ عَمَّا وَرَدَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ بِالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ.