فهو يعني أنه سبحانه يُنهِي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أُمِّ الكتاب أي اللوح المحفوظ ؛ ثم يأتي الحكم الجديد .
والمثال: هو حكم الخمر ؛ وقد عالجها الحق سبحانه أولاً بما يتفق مع قدرة المجتمع ؛ وكان المطلوب الأول هو تثبيت العقيدة ؛ ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك .
وهناك فرق بين العقيدة وهي الأصل وبين الأحكام ، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقديّ ، وكان الحكم في أمر العقيدة ملزماً ومستمراً .
أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلْف الناس ؛ واعتيادهم ؛ فقلَّل الحق سبحانه زمن صُحْبة الخمر ؛ ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب ، وعدم القُرْب منها .
والمثل في حياتنا ؛ حيث نجد مَنْ يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يُوسِّع من الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى ، إلى أن يقلع عنها بلطف ، وينفيها من حياته تماماً .
ونجد القرآن يقول في الخمر: {وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ...} [النحل: 67]
وهنا يمتنُّ الله عليهم بما رزقهم به ؛ ولكن أهل الذَّوْق يلتفتون إلى أنه لم يَصِف الخمر بأنها من الرزق الحسن ؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن ؛ لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده .
وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك ، ثم يُنزِل الحق سبحانه عظة تقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ...} [البقرة: 219]
وهكذا أوضح الحق سبحانه ميْل الخمر والميسر إلى الإثم أكثر من مَيْلهما إلى النفع ، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ...} [النساء: 43]