أجيب: بأنّ إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مجاز ؛ لأنّ الفاعل المطلق هو الله تعالى في الحقيقة ، قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء ،) فثبت بذلك أنّ الكل من عند الله تعالى وبقضائه وقدره ، وليس للشيطان فيه مدخل إلا بإلقاء الوسوسة والتحريش لإفساد ذات البين ، وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك كما حكى الله تعالى ذلك عنه بقوله تعالى: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (إبراهيم ،) ولما كان حصول الاجتماع بينه وبين إخوته وأبويه مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال ، وكان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف قال يوسف عليه السلام {إنّ ربي لطيف لما يشاء} ، أي: لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ، ويتسهل دونها فإذا أراد حصول الشيء سهل أسبابه فحصل ، وإن كان في غاية البعد عن الحصول {إنه هو العليم} بوجوه المصالح والتدابير {الحكيم} ، أي: الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة روي أنّ يوسف عليه السلام طاف بأبيه في خزائنه ، فلما أدخله خزانة القرطاس قال: يا بنيّ ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟ قال: أمرني جبريل بذلك قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أقرب مني إليه ، فسأله فقال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب ، قال: فهلا خفتني؟ ولما حضر يعقوب عليه السلام الموت وصى يوسف عليه السلام أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه فدفنه ثمة. ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثاً وعشرين سنة.