الدولة، والذي نفهمه من قصة يوسف عليه السلام أنه يستطيع المسلم أن يزكي نفسه في بعض الحالات، وأن يستلم منصبا من مناصب الدولة إذا كان في ذلك خدمة لدين الله، أو مصلحة للمسلمين، أو منفعة عامة للخلق، لا يرافقها إثم، ويتدخل في هذا الموضوع عامل النية، وموقف أهل الحق. فإذا ارتأى أهل الحق لأحدهم أن يفعل شيئا فعليه أن يفعل على شرط تصحيح النية. وفى كتابنا (دروس في العمل الإسلامى) بيان لهذا الموضوع، وليس كلامنا في عمل يتنافى مع العقيدة، أو يضطر صاحبه للنفاق، أو لعمل آثم. والموازنة دائما بين الجيد والأجود، والعزيمة والرخصة، واختيار أخف الشرين، وأهون الضررين صعبة. وتحتاج إلى توفيق إلهي. إن الذين يخطئون المسلم الصالح الذي يقبل وزارة في بلد كالهند الحالية يحكمون على الإسلام بالدمار هناك، والذين يقبلون النعال ويركبون متن النفاق للوصول إلى وزارة لا يخدمون فيها إلا الكفر، ليسوا إلا طلاب دنيا.
والقاعدة: إذا وجد أهل الشورى من أهل الحق، ورأوا رأيا، أو رأت أكثريتهم رأيا فهو الفيصل في كل زمان ومكان. لأن قضايا الحياة من التعقيد بحيث لا يسع المسلمين فيها موقف لين، أو موقف صلب. ولقد قال الألوسي عند قوله تعالى حكاية عن يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا وكان متعينا لذلك، وما في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فأنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها» والمراد في غير ما ذكر) اهـ كلام الالوسي