وغيره توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت طوله ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع ووضع عليه الفرش وضرب عليه حلة من استبرق فقال عليه السلام: أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي فقال: قد وضعته إجلالاً لك وإقراراً بفضلك ، فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض إليه الملك أمره وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق منها شيء ، وفي الثانية بالحلي والجواهر ، وفي الثالثة بالدواب والمواشي ، وفي الرابعة بالعبيد والجواري ، وفي الخامسة بالضياع والعقار ، وفي السادسة بالأولاد ، وفي السابعة بالرقاب حتى استرقهم جميعاً وكان ذلك مما يصح في شرعهم.
فقالوا: ما رأينا كاليوم ملكاً أجل وأعظم منه.
فقال للملك: كيف رأيت صنع الله تعالى فيما خولني فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع فقال: إني أشهد الله تعالى وأشهدك إني قد أعتقتهم ورددت إليهم أملاكهم.
ولعل الحكمة في ذلك إظهار قدرته وكرمه وانقيادهم بعد ذلك لأمره حتى يخلص إيمانهم ويتبعوه فيما يأمرهم به فلا يقال: ما الفائدة في تحصيل ذلك المال العظيم ثم إضاعته؟ وكان عليه السلام في تلك المدة فيما يروى لا يشبع من الطعام فقيل له: أتجوع وخزائن الأرض بيدك؟ فقال: أخاف إن شبعت أنسي الجائع وأمر عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غذاءه نصف النهار وأراد بذلك أن يذوق طعم الجوع فلا ينسى الجياع ، قيل: ومن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار ، وقد أشار سبحانه إلى ما آتاه من الملك العظيم بقوله جل وعلا: