"وكِل إليها"ومن أباها لعلمه بآفاتها ، ولخوفه من التقصير في حقوقها فَرّ منها ، ثم إن ابتلى بها فيرجى له التخلص منها ، وهو معنى قوله:"أعِينَ عليها"الثاني: أنه لم يَقل: إني حسيب كريم ، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الكريم ابن الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"ولا قال: إني جميل مليح ، إنما قال:"إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"فسألها بالحفظ والعلم ، لا بالنسب والجمال.
الثالث: إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى:"فَلاَ تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ".
الرابع: أنه رأى ذلك فرضاً متعيناً عليه ؛ لأنه لم يكن هنالك غيره ، وهو الأظهر ، والله أعلم.
(الرابعة) ودلّت الآية أيضاً على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل ؛ قال الماورديّ: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله ، أو تعلق بظاهر من مكسب ، وممنوع منه فيما سواه ، لما فيه من تزكية ومراءاة ، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله ؛ فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ، ولما يرجو من الظَّفر بأهله.
قوله تعالى: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ}
أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك ، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض ؛ (أي) أقدرناه على ما يريد.
وقال الكِيَا الطَّبَري قوله تعالى: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض} دليل على إجازة الحيلة في التوصّل إلى المباح ، وما فيه الغبطة والصلاح ، واستخراج الحقوق ، ومثله قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} [ص: 44] وحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في عامل خَيْبَر ، والذي أدّاه من التَّمْر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما قاله.
قلت: وهذا مردود على ما يأتي.