وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة ؛ فإنك لو زرعت على حجر أو مَدَر لنبت ، وأظهر الله فيه النّماء والبركة ، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام ؛ فيكون القصب والسّنبل عَلَفاً للدواب ، وحبه للناس ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهْرَائك الخُمْس ؛ فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك ؛ فقال الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو جمعت أهل مصر جميعاً ما أطاقوا ، ولم يكونوا فيه أمناء ؛ فقال يوسف عليه السلام (عند ذلك) :"اجعلني عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ"أي على خزائن أرضك ؛ وهي جمع خِزانة ؛ ودخلت الألف واللام عوضاً من الإضافة ، كقول النابغة:
لَهُمْ شِيمَةٌ لم يُعْطِهَا الله غَيْرَهُمْ ...
مِنَ الجُودِ والأَحْلاَمِ غَيْرُ كَوَاذِبِ
قوله تعالى: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} جزم لأنه جواب الأمر ؛ وهذا يدلّ على أن قوله:"ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ"جَرَى في السّجن.
ويحتمل أنه جرى عند الملك ، ثم قال في مجلس آخر:"ائتوني بِهِ"تأكيداً"أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي"أي أجعله خالصاً لنفسي ، أفوّض إليه أمر مملكتي ؛ فذهبوا فجاؤوا به ؛ ودلّ على هذا {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} أي كلّم الملك يوسف ، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف ؛ ف {قَالَ} الملك: {إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} أي متمكن نافذ القول ،"أَمِينٌ"لا تخاف غدراً.
{قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) }
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض} قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خِزَانة الأرض ؛ أما سمعت إلى قوله:"اجعلني عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ"أي على حفظها ، فحذف المضاف.