والجواب الرابع إن من عادة العرب أن يسموا الشيء باسم ما يقع فيه في الأكثر عنده وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد بهم بها أي خطر بباله أمرها ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها من غير أن يكون هناك هم أو عزم فسمى الخطور بالبال هما من حيث كان الهم يقع في الأكثر عنده والعزم في الأغلب يتبعه وإنما أنكرنا ما ادعاه جهلة المفسرين ومحرفوا القصاص وقذفوا به نبي الله عليه السلام لما ثبت في العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام من حيث كان منفرا عنهم وقادحا في الغرض المجري إليه بارسالهم والقصة تشهد بذلك لأنه تعالى قال (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا ثم الأخذ فيه والشروع في مقدماته وقوله تعالى (أيضا(انه من عبادنا المخلصين) يقتضي تنزيهه عن الهم بالزنا والعزم عليه وحكايته عن النسوة قولهن (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) يدل أيضا على أنه بريء من القبحين
فأما البرهان الذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله تعالى له به في تلك الحال أو قبلها اختار عنده الانصراف عن المعاصي والتنزه عنها ويحتمل أيضا ما ذكره أبو علي وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك وعلى أن من فعله يستحق العقاب وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنه الجهال من رؤية صورة أبيه يعقوب عليه السلام متوعدا له أو النداء له بالزجر والتخويف لأن ذلك ينافي المحنة وينقض الغرض بالتكليف ويقتضي أن لا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا وهذا سوء ثناء على الأنبياء واقدام على قرفهم بما لم يكن منهم والحمد الله على حسن التوفيق .. انتهى انتهى {أمالي المرتضى} ...