= وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَأَضْرِبَنَّكَ إِلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ، مَعْنَاهُ: لَأَضْرِبَنَّكَ إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب، وَهَذَا لَا يَدُلُّ أَلْبَتَّةَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ قَدْ حَصَلَتْ أَمْ لَا بِخِلَافِ قَوْلُهُ: (خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ بِخُلُودِهِمْ فِيهَا إِلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي شَاءَ رَبُّكَ، فَهَهُنَا اللفظ تدل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ قَدْ حَصَلَتْ جَزْمًا، فَكَيْفَ يَحْصُلُ قِيَاسُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كلمة (إِلَّا) هاهنا وَرَدَتْ بِمَعْنَى: سِوَى.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: (خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي النَّارِ فِي جميع مدة بقاء السماوات وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ سِوَى مَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ مِنَ الْخُلُودِ الدَّائِمِ فَذَكَرَ أَوَّلًا فِي خُلُودِهِمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَطْوَلُ مِنْهُ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ الدَّوَامَ الَّذِي لَا آخِرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ) الْمَعْنَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَا آخِرَ لَهَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ زَمَانُ وُقُوفِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ إِلَّا وَقْتَ وُقُوفِهِمْ لِلْمُحَاسَبَةِ فَإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَكُونُونَ فِي النَّارِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْمُرَادُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ وَهُوَ حَالُ كَوْنِهِمْ فِي الْقَبْرِ، أَوِ الْمُرَادُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ حَالَ عُمْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمَعْنَى: خَالِدِينَ فِيهَا بِمِقْدَارِ مُكْثِهِمْ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْبَرْزَخِ أَوْ مِقْدَارِ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسَابِ ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى النَّارِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي الْجَوَابِ قَالُوا: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إلى قوله: (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [هود: 106]
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: قَوْلُهُ: (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها) يُفِيدُ حُصُولَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ مَعَ الْخُلُودِ فَإِذَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ وَقْتٌ لَا يَحْصُلُ فِيهِ هَذَا الْمَجْمُوعُ لَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الْمَعْقُولَاتِ أَنَّهُ كَمَا يَنْتَفِي الْمَجْمُوعُ بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَكَذَلِكَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَإِذَا انْتَهَوْا آخِرَ الْأَمْرِ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا سَاكِنِينَ هَامِدِينَ خَامِدِينَ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ فَانْتَفَى أَحَدُ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْحُكْمِ بِانْقِطَاعِ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَذَابِ لَا يَكُونُونَ أَبَدًا فِي النَّارِ، بَلْ قَدْ يُنْقَلُونَ إِلَى الْبَرَدِ وَالزَّمْهَرِيرِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَذَلِكَ يَكْفِي فِي صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: فِي الْجَوَابِ قَالَ قَوْمٌ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ إِخْرَاجَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) يُفِيدُ أَنَّ جُمْلَةَ الْأَشْقِيَاءِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا شاءَ رَبُّكَ) يُوجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ.
وَيَكْفِي فِي زَوَالِ حُكْمِ الْخُلُودِ عَنِ الْمَجْمُوعِ زَوَالُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْقَى حُكْمُ الْخُلُودِ لِبَعْضِ الْأَشْقِيَاءِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْخُلُودَ وَاجِبٌ لِلْكُفَّارِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِينَ زَالَ حُكْمُ الْخُلُودِ عَنْهُمْ هُمُ الْفُسَّاقُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا كَلَامٌ قَوِيٌّ فِي هَذَا الْبَابِ. =