{يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ} [البقرة: 153] .
وهو سبحانه يناديهم بالإيمان ؛ لأنهم اعتقدوا اعتقاد الألوهية الواحدة ، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان .
وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب ، فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين ، فإذا نُودِي عليهم بهذه الصفة فهي علامة السمو المقبول .
وإذا طُلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه ، فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها ، وفي الاستمرارية ارتقاء .
وقول الحق سبحانه هنا:
{مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء} [هود: 109] .
نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة ؛ لأن معنى العبادة ائتمار عابدٍ بأمر معبود . وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام ، وليس للأصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها .
ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام ، وهم قد قالوا من قبل:
{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] .
وهو إيمان فقد حجية التعقل الإيماني ، أي: أن تستقبل أنت بذاتك القضية الإيمانية وتناقشها لتدخل عليها باقتناع ذاتك .
وهم قد دخلوا إلى الإيمان بعبادة الأصنام باقتناع الغير ، وهم الآباء ، فإيمانهم إيمان تقليد ، وفي التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو لا ينفع .
ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل النِّسَب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية ، أو نسبة سلبية .
{مَا يَعْبُدُونَ} [هود: 109] .
أي: على ما قالوا إنه عبادة ، ولكنه ليس عبادة ، لأن العبادة تقتضي أمراً ونهياً ، وليس للأصنام أوامر أو نواهٍ ، وعبادتهم هي عبادة تقليدية للآباء ؛ ولذلك قالوا:
{بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170] .
ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم ، فيقول تعالى:
{وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} [هود: 109] .