فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 207698 من 466147

قلت: أما الأمر الأول فالقصد إلى إهلاكه يعني: فاجمعوا ما تريدون من إهلاكى واحتشدوا فيه، وابذلوا وسعكم في كيدي.

وإنما قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده به ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا.

وأما الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم، المكروهة عندهم. يعني: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة عليكم. وحالكم عليكم غمة. أي: غما وهما. والغم والغمة كالكرب والكربة.

وثانيهما: أن يراد به ما أريد بالأمر الأول. والغمة السترة من غمة إذا ستره، وفي الحديث"لا غمة في فرائض الله"أي لا تستر ولكن يجاهر بها.

يعني: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكى مستورا عليكم. ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به"."

وقوله: {ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} زيادة في تحديهم وإثارتهم.

والقضاء هنا بمعنى الأداء، من قولهم: قضى المدين للدائن دينه، إذا أداه إليه، وقضى فلان الصلاة. أي أداها بعد مضي وقتها.

أي: ثم أدوا إلى ذلك الأمر الذي تريدون أداءه من إيذائي أو إهلاكي بدون إنظار أو إمهال.

ويصح أن يكون القضاء هنا بمعنى الحكم، أي: ثم احكموا عليَّ بما تريدون من أحكام، ولا تتركوا لي مهلة في تنفيذها، بل نفذوها على في الحال.

فأنت ترى في هذه الآية الكريمة كيف أن نوحا - عليه السلام - كان في نهاية الشجاعة في مخاطبته لقومه، بعد أن مكث فيهم مكث وهو يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده.

فهو - أولا - يصارحهم بأنه ماض في طريقه الذي أمره الله بالمضي فيه، وهو تذكيرهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله، وعلى وجوب إخلاص العبادة له سواء أشق عليهم هذا التذكير أم لم يشق، وأنه لا اعتماد له على أحد إلا على الله وحده.

وهو - ثانيا - يتحداهم بأن يجمعوا أمرهم وأمر شركائهم وأن يأخذوا أهبتهم لكيده وحربه.

وهو - ثالثا - يطالبهم بأن يتخذوا قراراتهم بدون تستر أو خفاء، فإن الأمر لا يحتاج إلى غموض أو تردد، لأن حاله معهم قد أصبح واضحا وصريحا.

وهو - رابعا - يأمرهم بأن يبلغوه ما توصلوا إليه من قرارات وأحكام وأن ينفذوها عليه بدون تريث أو انتظار، حتى لا يتركوا له فرصة للاستعداد للنجاة من مكرهم.

وهكذا نرى نوحا - عليه السلام - يتحدى قومه تحديا صريحا مثيرا. حتى إنه ليغريهم بنفسه، ويفتح لهم الطريق لإِيذائه وإهلاكه - إن استطاعوا ذلك - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت