وَعَلَّلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ تَفْسِيرَ السَّائِحِينَ بِالصَّائِمِينَ بِأَنَّ الصَّائِمَ يَتْرُكُ اللَّذَّاتِ كُلَّهَا كَالسَّائِحِ لِلتَّعَبُّدِ ، وَمِثْلُهُ أَوْ مِنْهُ قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: يُسَمَّى الصَّائِمُ سَائِحًا لِأَنَّ الَّذِي يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ مُتَعَبِّدًا لَا يَحْمِلُ زَادًا فَكَانَ مُمْسِكًا عَنِ الْأَكْلِ . وَلِهَذَا التَّعْلِيلِ خَصَّ بَعْضُهُمْ إِطْلَاقَ وَصْفِ السَّائِحِينَ عَلَى الصَّائِمِينَ بِالَّذِينِ يُدِيمُونَ الصِّيَامَ ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، فَقَالَ: يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْوَصْفِ صِيَامُ الْفَرْضِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ .
وَالصُّوفِيَّةُ يَخُصُّونَ السَّائِحِينَ الْمَمْدُوحِينَ بِالَّذِينِ يَهِيمُونَ فِي الْأَرْضِ لِتَرْبِيَةِ إِرَادَتِهِمْ ، وَتَهْذِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَظَانِّ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ ; لِجَمْعِ الْقَلْبِ عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَتِهِ ، وَالتَّكَمُّلِ فِي مَنَازِلِ مَعْرِفَتِهِ ، كَالسَّيَّاحِينَ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ ، وَقَدْ كَانَ إِطْلَاقُ السِّيَاحَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ذَائِعًا مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: السِّيَاحَةُ: الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ لِلْعِبَادَةِ ; وَمِنْهُ سُمِّي الْمَسِيحُ إِلَخْ ، وَاعْتَرَضُوهُ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ عُرْفٌ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ اللُّغَةِ ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى السِّيَاحَةِ اللُّغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (9: 2) وَهُوَ أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (ص 136 ج 10 ط الْهَيْئَةِ) .