وقيل التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة ويحملونها على محامل باطلة وكانوا يأخذون الرشوة، وقيل كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه، فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجبة، ثم قالوا ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام عَلى أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس.
قال الرازي: وهي بأسرها حاضرة في زماننا وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق، انتهى.
ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام ومشايخه من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، قال الرازي: ولعمري من تأمل في أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم، وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات، وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله انتهى، ولنعم ما قيل:
عجبت من شيخي ومن زهده ... وذكره النار وأهوالها
يكره أن يشرب في فضة ... ويسرق الفضة إن نالها
(ويصدون عن سبيل الله) أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعما كان حقاً في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل.
(والذين يكنزون الذهب والفضة) قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع، قاله معاوية بن أبي سفيان، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين قاله ابن عباس، وقال السدي: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين، وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين جميعاً.