ومما ينبغي التنبيه إليه هنا من الناحية اللفظية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} أن الضمير الوارد في هذه الآية يعود على الفضة دون الذهب رغما عن ذكرهما معا، ولو عاد الضمير على الذهب والفضة لقيل {وَلَا يُنْفِقُونَهَا} لكن اكتفت الآية بإعادة الضمير على أحدهما دون الآخر، على حد قوله تعالى في آية أخرى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} فها هنا شيئان: (اللهو والتجارة) لكن أعيد الضمير على التجارة وحدها، اكتفاء بذكر ضميرها عن الآخر. وهذا أسلوب متعارف في لسان العرب.
ثم تولى كتاب الله الحديث عن تقسيم الزمان إلى شهور وأعوام، علاوة على تقسيمه إلى ساعات وأيام، فقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ، وتحقيق القول في هذا المقام أن الله تعالى جعل السنة اثني عشر شهرا، كما جعل البروج في السماء اثني عشر برجا، ورتب فيها سير الشمس والقمر. وعدد أيام السنة القمرية ربع يوم وأربعة وخمسون يوما وثلاثمائة يوم، وقوله تعالى هنا: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} أي معدودة في كتاب الله المحفوظ في الأزل، وقوله تعالى هنا: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} المراد به رجب الفرد،
وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب) وفي رواية: (ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) وإنما أطلق عليه في هذه الرواية (رجب مضر) لأن مضر هي التي اقتصرت في الجاهلية على تحريمه دون غيرها. قال القاضي أبو بكر"ابن العربي":"وهذا كله إنما هو بيان لتحقيق الحال، وتنبيه على رفع ما كان وقع في الشهور من الاختلال".