وغيرهم - رضي الله عنهم - ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على ألا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة ، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة.
فجعلوا يقولون: يا لبيك ، يا لبيك. وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ، ورجع بنفسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصدقوا الحملة... وانهزم المشركون فأتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون ، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفاً فأعجبتهم كثرتهم ، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول ، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه ؛ ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتصقت به.
والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية ، وبانفعالاتها الشعورية:
{إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} ..
فمن انفعال الإعجاب بالكثرة ، إلى زلزلة الهزيمة الروحية ، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية ، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب..
{ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} ..
وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة.
{وأنزل جنوداً لم تروها} ..
فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها.. وما يعلم جنود ربك إلا هو..
{وعذب الذين كفروا} .