قال أبو الحسن بن بَطّال: أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا ، إلى غير ذلك من الآي.
وقال: {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] .
فأحل للمضطر ما كان حَرُم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذَّى به لكان لنفسه قاتلاً.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوّى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدّخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح.
وقد روى أنس بن مالك:"أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم ببعير فقال: يا رسول الله ، أعقله وأتوكّل أو أطلقه وأتوكّل؟ قال:"اعقله وتوكّل"."
قلت: ولا حجة لهم في أهل الصُّفَّة ؛ فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتّجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلّون.
هكذا وصفهم البخاري وغيره.
فكانوا يتسبّبون.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصّهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمّروا كأبي هريرة وغيره وما قعدوا.
ثم قيل: الأسباب التي يُطلب بها الرزق ستة أنواع:
أعلاها كسب نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ قال:"جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمري"خرّجه الترمذيّ وصححه.
فجعل الله رزق نبيّه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصّه بأفضل أنواع الكسب ؛ وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه.
الثاني أكل الرجل من عمل يده ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"إنّ أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده"
خرّجه البخاري.