ونعلم أن التكليف لا يأتي في الأمور التي نحن مقهورون عليها . وإنما يأتي فيما لنا فيه اختيار . فإذا ما كان لنا اختيار ، فلنراع أن نختار بين البدائل في إطار منهج الله تعالى ، ولا نخرج بعيدا عن هذا الإطار . وكان المسلمون الأوائل يضحون بالبيت والمال والولد ، ويهاجرون في سبيل الله . واستقبلوا كل هذه التضحيات الصعبة بصدور مؤمنة ، وصبر واحتمال شديدين ؛ لأنهم وثقوا في البشارة من الله سبحانه وتعالى بأن لهم الجنة والرضوان ، والنعيم المقيم ؛ خالدين فيه لا يفارقهم ولا يفارقونه . وبهذا أقيم بناء الإسلام .
وبعد أن بيَّن لنا الحق أسس الانتماء للدين ، وجزاء هذا الانتماء ، حذرنا أن ننحرف عنه لنرضى أبا أو إخوة أو أقارب ، فقال: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فأولئك هُمُ الظالمون} [التوبة: 23] .
ويريدنا الله سبحانه وتعالى أن نعرف أن الانتماء لله لا يعلو عليه شيء ، فإذا مِلْناَ عن الحق لنرضي أقارب ، أو لنحتفظ بمال أو منصب ، فذلك ظلم للنفس ؛ لأن جزاء الحق ونعيمه أكبر ، فلا ينصرن أحد الباطل ، ولا يجعل أحدنا الإيمان خادما لكفار لا يؤمنون بالله . ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الصورة بقوله تعالى: {إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان} ، وكلمة"استحب"أي: طلب الحب ومثلها مثل"استخرج"أي: طلب إخراج الشيء . وإذا قلنا"استجاب الله"معناها: أجاب .
إذن ف"استحب"معناها: أحب ، ولكن"استحب"فيها افتعال . و"أحب"فيها اندفاع بلا افتعال .