والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي ، وهو ملازمته والتعبد فيه ، وكلاهما ليس للمشركين ، أما الأول: فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم ، وأما الثاني: فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام ، ومعنى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} ما صح لهم وما استقام أن يفعلوا ذلك ، و {على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} حال: أي ما كان لهم ذلك حال كونهم شاهدين على أنفسهم بالكفر ، بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها ، وجعلها آلهة ، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر ، وإن أبوا ذلك بألسنتهم ، فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين: عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين ، والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرّب إلى الله بعمارة مساجده.
وقيل: المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك: تملكه وما ملك ؛ وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر: أن اليهودي يقول هو يهودي ، والنصراني يقول هو نصراني ، والصابئ يقول هو صابئ ، والمشرك يقول هو مشرك: {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم} التي يفتخرون بها ، ويظنون أنها من أعمال الخير: أي بطلت ولم يبق لها أثر {وَفِى النار هُمْ خالدون} وفي هذه الجملة الإسمية مع تقديم الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها.
ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر} وفعل ما هو من لوازم الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة {وَلَمْ يَخْشَ} أحداً {إِلاَّ الله} فمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف ، فهو الحقيق بعمارة المساجد.