فَهَذِهِ الْآيَاتُ بِمَعْنَى آيَاتِ أَوَّلِ سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ وَآيَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ اللَّتَيْنِ أَشَرْنَا إِلَيْهِمَا وَإِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِهِمَا ، فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْعِبْرَةِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ مُسْلِمِي عَصْرِنَا ، وَمُسْلِمِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ . وَقَدْ ثَبَتَ بِالِاخْتِبَارِ أَنَّ لِلْحُرُوبِ - عَلَى مَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْعُدْوَانِ وَالشُّرُورِ - فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ فِي تَرْقِيَةِ الْأُمَمِ ، وَرَفْعِ شَأْنِهَا بِقَدْرِ اسْتِعْدَادِهَا ، وَنَاهِيكَ بِالْحَرْبِ إِذَا الْتُزِمَ فِيهَا مَا قَرَّرَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ ، وَمُرَاعَاةِ قَوَاعِدِ الْعَدْلِ وَالْفَضِيلَةِ . كَاحْتِرَامِ الْعُهُودِ ، وَتَحْرِيمِ الْخِيَانَةِ ، وَتَقْدِيرِ الضَّرُورَةِ فِيهَا بِقَدْرِهَا ، وَوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّحْمَةِ فِي مَوْضِعِهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَآيَاتِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ قَبْلَهَا ، وَكَذَا آيَاتِ الْقِتَالِ مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْأَوَّلُونَ فِي جَمِيعِ حُرُوبِهِمْ عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَ سَلَفِهِمْ وَخَلَفِهِمْ ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُمْ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ وَالِاجْتِمَاعِ مِنَ الْإِفْرِنْجِ الْمُنْصِفِينَ عَلَى قِلَّتِهِمْ ، حَتَّى قَالَ حَكِيمٌ كَبِيرٌ مِنْهُمْ: مَا عَرَفَ التَّارِيخُ فَاتِحًا أَعْدَلَ وَلَا أَرْحَمَ مِنَ الْعَرَبِ .