فهذه حياة المرحلة الأولى التي لا يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذها كغاية ، ولكنه يريدنا أن نأخذها وسيلة لنصل بها إلى الحياة الراقية في كل صورها الخالدة بكل معانيها ؛ المنعَّمة في كل درجاتها . وكما سمَّى الحق سبحانه وتعالى الروح التي تنفخ في المادة فتعطيها المرحلة الأولى من الحياة روحاً ، فإنه كذلك سمَّى المنهج الذي يعطينا المرحلة الثانية من الحياة روحا ، حيث يقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .
هذه هي روح المنهج التي تعطينا المرحلة الثانية من الحياة . فإن أخذنا نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فهو ينير لنا طريقنا في القيم والمعنويات ، تماما كما تنير لنا شمس الله طريقنا في الحياة المادية . إذن فالحق لم يترككم للنور المادي ليحافظ على ماديتكم من أن تحطموا أو تتحطموا ، وإنما أرسل إليكم نورا لتهتدوا به في مجال القيم .
يقول الحق سبحانه وتعالى: {نُّورٌ على نُورٍ} [النور: 35] .
ولم يقل سبحانه:"نور مع نور"؛ لأن الإنسان لا يُكَلَّفُ من الله إلا بعد أن يصل إلى سن البلوغ ، فالنور المادي يراه ويستفيد به قبل التكليف ، ثم يأتي النور المعنوي فيتلقاه من الكتاب الذي أنزل على رسول الله عندما يبلغ سن التكليف فيتعرف على منهج الله . {نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [النور: 35] .