أي: أن نوره يملأ السماوات والأرض . حين يضرب الحق سبحانه وتعالى مثلا للمعنويات ليتعرف إليها الناس فهو يقدم لها بأمر مادي يتفق عليه الكل ، ليقرب الأمر المعنوي أو الغيبي إلى أذهان الناس ؛ لأن المعنويات والغيبيات يصعب إدراكها على العباد . فلذلك فهو سبحانه وتعالى يقرب هذا الأمر ويبينه بأن يضرب لنا مثلا من الأمور المادية ؛ حتى تقترب الصورة من الأذهان ؛ لأننا جميعا نرى الماديات . وبهذا يلحق سبحانه الأمر المعنوي وهو غير معلوم لنا بالأمر المادي الذي نعرفه ؛ فتقترب الصورة من أذهاننا وتتضح لنا ، وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يلحق المجهول بالنسبة للناس بالمعلوم عندهم .
وإذا كنا في كون الله تعالى نجد النهار إنما يكون نهارا بإشراق الشمس الواحدة التي تنير نصف الكرة الأرضية ، ثم تنير النصف الثاني من بعد غروبها عن النصف الأول ، فيتميز النهار بالضوء ، ويتميز الليل بالظلمة ، ومعنى النور في الحسيات أنه شعاع يجعل الإنسان يرى ما حوله ؛ حتى يستطيع أن يتحرك في الحياة دون أن يصطدم بالأشياء المحيطة به .
ولكن إن كانت الدنيا ظلاما فسيصطدم الإنسان بما حوله ، وأمر من اثنين: إما أن يكون الإنسان أقوى من الشيء الذي اصطدم به فيحطمه ، وإما أن يكون هذا الشيء أقوى من الإنسان فيصاب الإنسان إصابة تتناسب مع قوة الشيء الذي اصطدم به . والذي يحميك من أن تحطم أو تتحطم هو النور الذي تسير على هداه .
إذن فساعة أن يأتي النور ، تتضح أمامك معالم الدنيا ، وتكون خطاك على بينة من الأمر ؛ فلا ترتطم بما هو أضعف منك فتحطمه ، ولا يرتطم بك ما هو أقوى منك فيحطمك ، هذا هو النور الحسي ، وأكبر ما فيه نور الشمس الذي يستفيد منه كل الخلق ، المؤمن والعاصي ، والكافر والمشرك ، والمسخر من حيوان أو نبات أو جماد ، وهذا النور نعمة عامة خلقها الله سبحانه وتعالى بقانون الربوبية الذي يعطي النعم لجميع خلقه في الدنيا سواء من آمنوا أم لم يؤمنوا .