ويحتمل: بالمؤمنين الذين كانوا معه، فأخبر أنه يؤيده بنصره وبنصر المؤمنين، وكان النصر له باللَّه في الحقيقة، فقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، النصر من اللَّه مرة يكون بالأسباب بالمؤمنين، وبغير ذلك من الأسباب، ومرة باللطف منه بلا سبب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)
قَالَ بَعْضُهُمْ: ألف بين قلوبهم بالدِّين الذي اجتمعوا عليه؛ كقوله: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) ، أخبر أنهم كانوا أعداء ما داموا في الكفر، فلما أسلموا صاروا إخوانا.
ولكن عندنا الإسلام يوجب التأليف والاجتماع بينهم، ولكن يجوز ألا يوجد التأليف - وإن وجد الإسلام؛ ليعلم أن اللَّه هو الذي يؤلف بينهم بلطفه وفضله لقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) .
وقد يجوز أن يكون ما ذكر من تأليف القلوب يكون مرة بالدِّين، ومرة باللطف من اللَّه، فإذا كان الخلاف والعداوة بينهم بسبب الدِّين فإنه إذا وجد الوفاق ارتفع الخلاف والعداوة، وإذا كان للأطماع فهو يرتفع باللطف من اللَّه.
(إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
عزيز: لا يعجزه شيء ، حكيم: في أمره وحكمه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(64)
قَالَ بَعْضُهُمْ: حسبك اللَّه وحسبك من اتبعك من المؤمنين، أي: كفاك اللَّه في العون والنصر لك، وكفاك المؤمنين - أيضًا - فيما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (حَسْبُكَ اللَّهُ) : نصر اللَّه، وحسبك نصر المؤمنين، وهو على ما ذكر: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) .