عليه وسلم عما أشكل عليه من معنى الآية أن الإشهاد هل هو حقيقة أم لا ؟ والإخراج
والمقاولة بقوله تعالى (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) أهما على التعارف أم على الاستعارة ؟
فلما أجابه صلوات اللَّه وسلامه عليه بما عرف منه ما أراده سكت لأنه كان بليغاً ، ولو
أشكل عليه من جهة أخرى لكان الواجب بيان تلك الجهة ، وكذا فهم الفاروق رضوان
اللَّه تعالى عليه ، وأما قولهم: لو كان المراد أنه أخرج من ظهر آدم لما قال (مِن ظُهُورِهِم)
(بل يجب أن يقول من ظهره وذريته ، فجوابه أنَّ المراد آدم وذريته لكن غلب إخراج
الذراري من أصلاب أولاده نسلاً بعد نسل حينئذ على ذراري نفسه لأنَّ الكلام في
الاحتجاج على الأولاد بشهادة قوله تعالى (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) ، ونحوه لكن في إرادة الامتنان قوله تعالى (خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) بقرينة قوله
(اسْجُدُوا لِآدَمَ) ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: لم يذكر ظهر آدم
وإنما أخرجوا جميعاً من ظهره لأنَّ اللَّه تعالى قد أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض
على نحو ما يتوالد الأبناء عن الآباء فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنَّهم كلهم
بنوه وأخرجوا من ظهره.
وأما قولهم: إن كان هذا الإقرار عن الاضطرار إلى آخره فخلاصته أنه يلزم أن يكونوا
محجوجين يوم القيامة ، وجوابه: أنَّهم إذا قالوا شهدنا يومئذ فلما زال علم الضرورة
ووكلنا إلى رأينا كان كذا كُذِّبوا بأنكم ما وكلتم إلى أرآئكم بل أرسلنا رسلنا تتراً
ليوقظوكم عن سنة الغفلة.
قال محي السنة: فإن قيل: كيف تلزم الحجة واحداً لا يذكر ذلك الميثاق ؟ قيل: قد
أوضح اللَّه سبحانه الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا فمن أنكره كان
معاندا ناقضاً للعهد ولزمته الحجة ، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد
إخبار المخبر الصادق.