وإذا طلبهم فاهرب منه، ليس ينبغي للرجل أن يشغل قلبه فيما ذهب منه.
لكنه ينبغي أن يعني بما يبقى عليه.
وإنما اجتلبنا بعض حكمهم وكلامهم، وأومانا إلى بعض الإشارة إلى
سيرتهم، وإن كان الأكثر منهم لهم آراء في طريق المعرفة غير ناهية؛ وعقود
غير مبلغة إلى المطلوب، وعلم بالدار الآخرة غير مصيب، فلم يكن الغرض في
اختلاف أقاويلهم التصويب لأكثرها، ولا ترشيد جملتها، بل لم تكمل الهداية
إلا لهداة المسلمين، ولا تصورت الحكمة صورة ماثلة، فلاحت كالسبيل السابلة؛ إلا
لأئمة المتقين في الأولين والآخرين، لكن الغرض توجيه قوله الحق:(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ...).
فأنت مع توفيق الله إذا تصفحت أمرهم واستعرضت أكثر قولهم علمت أن
توجيه قوله - جلَّ جلالُه - يمكن أن يكون المعني به هذه الأمة (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: بالحق المبثوث في العالم المنفصل من مقتضى أسماء الله - جلَّ جلالُه -
مع هداية من أنبأ مبلغ إليهم، وبالحق يعدلون؛ أي: عن الحق، والله أعلم
بمراده وحكمه.
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)
خاطب جل ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمرسل إليهم، وأعلم بذلك أنهم
كانوا يدركون العلم بصحة نبوته إليهم وتصديق رسالته، وأنه نذير وبشير بالتفكر
والنظر.
ثم قال - عز وجل -: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(185) .
أخبر الصادق الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه، أن [التفكر] في النبوة والنبي
خاص لها، وأن التفكر في الملكوت وما خلق الله من شيء [يحتاج] إلى نظر آخر، وإن
الفكر ليجري فيما دقَّ أو جلّ فيرتفع؛ أي: يملأ الآفاق، ويبلغ العرش العظيم،
وينزل سفلا، إلى أسفل السافلين، دل على هدايته من الآية بمجاورتها أيضًا
بقوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)