وحين تقول: أنا استدرجت فلانا ، فأنت تعني أنك أخذت تحتال عليه حتى يقر بما فعل ، مثل وكيل النيابة حين يحقق مع المجرم ، ويحاصره بالأسئلة من هنا ، ومن هناك ، إلى أن يقر ويعترف ، وهذا هو الاستدراج . و"الاستدراج"من الدرج ونسميه في لغتنا اليومية"السلَّم"وهو وسيلة للانتقال من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل فمن المستحيل على الإنسان أن يقفز بخطوة واحدة إلى الدور الخامس مثلا في عمارة ما ، ولذلك صمموا الصعود على درجات إلى مستويات متعددة على وفق الحركة العادية للنفس ، وهناك من يجعل علو الدرجة مثلاً اثنى عشر سنتيمتراً بحيث يستطيع كل إنسان أن يرفع قدمه ويضعها على الدرج دون إرهاق النفس ، وهذا يعني أننا نستدرج العلو لنصل إليه أو ننزل منه .
وقد خصوا في الآخرة الجنة بالدرجات العليا ، والنار بالدرجات السفلى .
وهنا يقول الحق: {والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]
أي نأخذهم درجة درجة ، ونعطي لهم نعمة ثم نرهقهم بما وصلوا إليه ، كما قال سبحانه من قبل: {حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ...} [الأنعام: 44]
لأن الله حين يريد أن يعاقب واحداً على قدر جرمه في حق أخيه الإنسان في الدنيا يأخذه من أول جرم ؛ لأن الأخذة في هذه الحالة ستكون لينة ، لكنه يملي له ويعليه ثم يلقيه من عَلِ . {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ...} [الأنعام: 44]
وهكذا يكونُ الآخذ أخذ عزيز مقتدر .