النسخة من الكتاب مأخوذة من الشيء المنسوخ أي المنقول من مكان إلى مكان ، ويقال: نسخت الكتاب الفلاني من الكتاب الفلاني . أي أن هناك كتاباً مخطوطاً ثم نقلناه بالطباعة أو بالكتابة إلى نسخة أو عدد من النسخ ، أي أخذته من الأصل إلى الصورة ، واسمه منسوخ ، وكلمة نُسخة على وزن"فُعْلَة"وتأتي بمعنى مفعولة ، فنسخة تعني منسوخة ، وفي القرآن مثل هذا كثير . والحق سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ...} [البقرة: 249]
و"غُرْفة"أي مغروفة ، وهي القليل من المياه في اليد لتبل الريق فقط ، والغرفة أيضاً تكون في البيوت ؛ لأنها مكان متقطع من مكان آخر ولها جدران تحددها . واسمها غرفة لأنها مغروفة من المكان في حيز مخصوص . وهنا يقول الحق سبحانه: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} .
و"هدى"المقصود بها المنهج الموصل للغاية في"افعل"و"لا تفعل".
إنّه يوصل للغاية وهي ثواب الآخرة . إذن فالهدى والرحمة شيء واحد له طرفان ، فالهدى هو المنهج الذي إن اتبعته تصل إلى الرحمة ، ولذلك يقول الحق: {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} .
وهكذا نجد المنهج هدى ورحمة ، فمن يسمع كلام الله ويتبعه يهتدي ويرحمه ربنا ؛ لأنه جعل الله في باله وخاف من صفات الجبارية في الحق ، ولهذا لابد أن يستحضر الإِنسان أو المؤمن رهبته لربه وخوفه منه - سبحانه - ليكون المنهج هدى ورحمة له . ويكون من الذين يرهبون ربهم .
وساعة ترى المفعول تقدم في مثل قوله سبحانه هنا: {... لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]
نفهم أن هذا هو ما يسمى في اللغة"اختصاص"وقَصْر مثلما قال الحق في فاتحة الكتاب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .