فإذا كانت هذه هي هندسة البشر ، فما بالنا بهندسة الخالق؟ أنت تجد العزق: وهو حامل الرطب يأخذ من النخلة ، وكل نخلة فيها كذا"سباطة"وفي كل"سباطة"هناك"الشماريخ"، ثم هناك البلح وكل بلحة تأخذ شعرة لغذائها . وهكذا نجد كل شيء محسوباً بدقة بالغة . إنها هندسة كونية عجيبة مصنوعة بقول الحق: كن ، وصدق الله القائل: {الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 2 - 3] .
{وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} وكلمة {وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} لم نكن نعرف ما وراءها ، كنا نعرف فقط أن السماء هي كل ما علاك فأظللك ، والماء يأتي من السحاب ، وكلنا نرى السماء تمطر . وكلنا نعرف التعبير الفطري الذي يقول: غامت السماء ، ثم أمطرت ، وهناك من قال: تضحك الأرض من بكاء السماء لأنها تستقبل الماء الذي يروي ما بها من بذور . لكن ما وراء عملية الإنزال هذه؟
إن هناك عملية أخرى تحدث في الكون دون شعور منا ، عرفناها فقط حين تقدم العلم وحين قمنا بتقطير المياه ، فأحضرنا موقداً ووضعنا فوقه قارورة ماء ، وحين وصل إلى نقطة الغليان خرج البخار ، وسار البخار في الأنابيب ومرت الأنابيب في أوساط باردة فتكثفت المياه ونزلت ماء مقطراً ، ومثل ذلك يحدث في المطر ، وانظر كم يكلفنا كوب واحد من الماء المقطر الذي نشتريه من الصيدلية؟ وقارن ذلك بالسماء التي تنزل بماء منهمر ، ولا ندري كيق صُنع . ولذلك يقول الحق: {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون} [الواقعة: 69] .
هكذا ينزل الماء من السماء ، ولم نكن نعرف كيف يحدث ذلك وسبحانه يقول هنا: {وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ والزيتون والرمان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِه} [الأنعام: 99] .