وروى خارجة عن نافع، وأبي عمرو كليهما أنهما قرأ"فُرَادَى"مثل سُكَارَى"اعتباراً بتأنيث الجماعة، كقوله تبارك وتعالى: {وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى} [الحج: 2] فهذه أربع قراءات مشهورة، وثلاث في الشواذ فراداً كأحاد، فَرْدَى كَسَكْرَى."
قوله:"كَمَا خَلَقْناكُمْ"في هذه أوجه:
أحدها: أنها مَنْصُوبَةُ المحل على الحال من فاعل"جئتمونا"فمن أجاز تَعَدُّدَ الحال أجاز من غير تأويل، ومن منع ذلك جعل"الكاف"بدلاً من"فُرَادَى".
الثاني: أنها في مَحَلِّ نصب نَعْتاً لمصدر محذوف، أي: مجيئاً مثل مجيئكم يوم خلقناكم، وقجره مكي: منفردين انفراداً مثل حالكم أول مرة، والأوّل أحسن؛ لأن دلالة الفعل على المَصْدَرِ أقوى من دلالة الوَصْفِ عليه.
الثالث: أن"الكاف"في مَحَلِّ نصب على الحال من الضمير المُسْتكنِّ في"فُرَادى"، أي: مشبهين ابتداء خلقكم، وكذا قَدَّرهُ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنهم لم يشبهوا بابتداء خلقهم، وصوابه أن يقدر مُضَافاً أي: مشبهة حالكم حال ابتداء خلقكم.
قوله:"أوَّلَ مَرَّة"مَنْصُوبٌ على ظرف الزمان، والعامل فيه"خلقناكم"، و"مرة"في الأصل مصدر لـ"مَرَّ يَمُرُّ مَرَّةً"ثم اتُّسِعَ فيها، فصارت زماناً.
قال أبو البقاء رحمه الله:"وهذا يَدُلُّ على قوة شبه الزمان بالفعل".
وقال أبو حيان:"وانتصب"أوَّل مرة"على الظرف، أي: أول زمان ولا يتقدَّر أوّل خلق؛ لأن أول خلق يستدعي خَلْقاً ثانياً، إنما ذلك إعادة لا خَلْقٌ".
يعني: أنه لا يجوز أن يكون المرَّة على بابها من المَصْدَريَّةِ، ويقدر أوّل مرة من الخَلْقِ لما ذكر.
قوله:"وتَرَكْتُمْ"فيها وجهان:
أحدهما: إنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل"جئتمونا"، و"قد"مضمرة على رأي الكوفيين أي: وقد تركتم.