فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إلي كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال! فارتد عن الإسلام ، ولحق بالمشركين. فذلك قوله: {ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله} .. (رواه الكلبي عن ابن عباس) ..
والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين (أي المشركين) مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب. الظالمون في غمرات الموت وسكراته - ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب - والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب ، وهم يطلبون أرواحهم للخروج! وهم يتابعونهم بالتأنيب:
{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم: أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق ، وكنتم عن آياته تستكبرون} ..
وجزاء الاستكبار العذاب المهين ، وجزاء الكذب على الله هذا التأنيب الفاضح.. وكله مما يضفي على المشهد ظلالاً مكروبة ، تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق!
ثم في النهاية ، ذلك التوبيخ والتأنيب من الله تعالى ، الذي كذبوا عليه ، وها هم أولاء بين يديه ، يواجههم في موقف الكربة والضيق:
{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} !
فما معكم إلا ذواتكم مجردة ؛ ومفردة كذلك. تلقون ربكم أفراداً لا جماعة. كما خلقكم أول مرة أفراداً ، ينزل أحدكم من بطن أمه فرداً عريان أجرد غلبان!
ولقد ند عنكم كل شيء ، وتفرق عنكم كل أحد ؛ وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم الله إياه ؛
{وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} ..
تركتم كل شيء من مال وزينة ، وأولاد ومتاع ، وجاه وسلطان.. كله هناك متروك وراءكم ، ليس معكم شيء منه ، ولا تقدرون منه على قليل أو كثير!
{وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} ..