وثالثها: أن أولئك المساكين أتعبوا أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة وظنوا أنهم ينتفعون بها عند الورود في محفل القيامة، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب.
منها عذاب الحسرة والندامة: وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء، ومنها عذاب الخجلة: وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح الضلالة، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية، وهو المراد من قوله: {وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء}
ورابعها: أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات، وحصل عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض الوجوه فههنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن.
أما إذا حصل الجزم واليقين بأن التدارك ممتنع، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء جداً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى.
وعند الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح أحوال هؤلاء الضالين. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 13 صـ 72 - 73}