3 -كما أن الله تعالى ذكر بركته على عباده الصالحين في مواضع من القرآن، واعتنى بذكر بركته على خواصهم، فذكر بركته على إسماعيل وإسحاق في التوراة والقرآن ليعلم ذريتهما من العرب واليهود ما يجب عليهم من الشكر، فكذلك كان حريًا بالذكر أنهم صاروا قسمين: فمنهم من أحسن، ومنهم من ظلم نفسه، لكي يتذكروا. وهذا كثير في التوراة والقرآن مثلًا قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 26] ، أيضًا: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ... } [فاطر: 32] .
فهكذا ههنا نبه العرب واليهود كليهما على ما دخل فيهما من الفساد، وسيأتيك بعض بيانه في أواخر هذا القسط.
فقوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} ، يدل بظاهره على أن المراد به ذكر ذرية إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، فإن الأخبار بكون بعضها محسنًا وبعضها ظالمًا لنفسه كما يطابق بذرية إسحاق، فهكذا يطابق بذرية إسماعيل، والقرآن أحسن جوامع الكلم. وهذا المعني الحري بالذكر لا يظهر بصرف الضمير إلى إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، وذلك بأنك حينئذ إما أن تريد ذرية واحدة أي الذرية الشتركة بين إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، كما جاء في دعاء إبراهيم -عليه السلام- في بني إسماعيل -عليه السلام-: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128] ، فأراد بـ (ذريتنا) ذرية إسماعيل التي هي ذرية إبراهيم -عليه السلام- أيضًا، فعلى هذا يصير الخبر مختصًا بذرية إسحاق -عليه السلام- فقط، فلم يحصل المعنى المقصود، وصار ذكر ما هو الأهم متروكًا.
وإما أن تريد ذريتين: الأولى ذرية إسحاق الخاصة وهم يعقوب ونسله، وعيص ونسله، والثانية ذرية إبراهيم الخاصة به قبل ذلك، وهم إسماعيل وإسحاق عليهما السلام أنفسهما، فذلك لا يصح، فإن ذرية إبراهيم المخصوصة به ليس فيها ظالم لنفسه.